Tuesday, March 19, 2019

انت الغوازي يعملن أيضا في المقاهي وفي المناسبات الخاصة

كما جرى العرف على تصوير المرأة مهووسة بصنوف اللهو والتسلية، ويقول المؤرخ الإنجليزي إدوارد لين في دراسته "عادات المصريين المحدثين" بين عامي 1833-1835:
"في حضور الزوج، كن مقيدات تماما، وبالتالي كن أكثر سعادة عندما لم تكن زياراته خلال النهار متكررة أو طويلة، وفي غيابه كن ينغمسن في الغالب في مرح صاخب".
كما كانت أسطح المنازل مكانا محببا للقيلولة واستنشاق الهواء النظيف وقضاء وقت ممتع مع الصديقات، وكانت تلك الأسطح تسمح للنساء بالانتقال من منزل لآخر بحرية دون أن يراهن أحد. وأظهرت لوحات عديدة استمتاع النسوة بحريتهن كما أبرزتها أعمال رسامين أمثال "بيير فرانسوا يوجين جيرو" و "رودولف إرنست" و "بنيامين كونستان" و "فابيو فابي".
حمامات النساء
لفت نظر الرحّالة والفنانين استحمام النساء في الحمامات النسائية، وصوروهن في لحظات خاصة مع خادماتهن اللواتي يعتنين بجمال سيداتهن، ويكشفن في ذات الوقت عن مفاتنهن، وأسهب العديد من المستشرقين في استخدام هذه الحيلة وعلى رأسهم الفرنسي جان ليون جيروم في عدد من لوحاته.
وقد سجلت لوحة للفنان الفرنسي فريدريك بازيل بعنوان "الخروج من الحمام"، رسمها عام 1870، من مقتنيات متحف فابر في مدينة مونبيليه الفرنسية، امرأة عارية تساعدها وصيفة سمراء البشرة تجثو على ركبتيها، بينما تقدم لها وصيفة أخرى ثوبا ترتديه وهي تنظر لها بإعجاب.
كما تحدث العالم الفرنسي إدم فرانسوا جومار في دراسته بعنوان "وصف مدينة القاهرة وقلعة الجبل" الواردة ضمن كتاب "وصف مصر" عن أهمية الحمام بالنسبة للمرأة المصرية قائلا:
"تقضي النساء على الأخص الساعات الممتعة في الحمام، فنحن نعرف أنهن يمضين إليه في كامل ملابسهن وأثمن حليهن، ويتناولن فيه شؤونهن الخاصة، كما يجري فيه الاتفاق على الزيجات".
"لا تضع نساء الطبقة الدنيا أي غطاء يسترن به أجسادهن العارية ولا حتى منشفة حول أردافهن، وقد ترتدي أخريات منشفة وينتعلن قبقابا عاليا، وأما وسائل الترفيه التي تستمتع بها المصريات في الحمام فقليلة، ويكتفين بحفلات بسيطة يرفهن بها عن أنفسهن...وقد تختار الأم عروسا لابنها من بين الفتيات التي تقع عينها عليهن في الحمام".
أظهرت تفاصيل تلك اللوحات الاختلافات بشأن لون بشرة المرأة المصرية كما صورها على سبيل المثال الفرنسي جان ليون جيروم، لاسيما لوحات مشاهد من الحمام، ولوحة "إيدوار ديبا-بونسان" عام 1883، وهي من مقتنيات متحف "أغسطين" في مدينة تولوز الفرنسية، وعلينا ألا نغفل افتراض أن العديد من أولئك السيدات اللواتي ظهرن في لوحات القرن ال19 شركسيات، أي من شعوب شمال القوقاز، يتمتعن ببشرة بيضاء ناصعة، وكانت خادماتهن أفريقيات سمراوات البشرة.
قد تعزف النساء على آلات موسيقية، أو يضربن على الدفوف كما في لوحة "إميل برنار" بعنوان "حريم" عام 1894، من مقتنيات المتحف الوطني للفنون الأفريقية في باريس، كما رسم العديد من الفنانين راقصات داخل الحرملك، لاسيما وأن الرقص كان أحد ضروب الترفيه للنساء، ولم يتضح في تلك الأعمال إن كانت النسوة يرقصن لمتعتهن الخاصة أم لتسلية سيداتهن أم هن راقصات محترفات بأجر.
وشاركت المرأة المصرية في الاحتفالات الدينية لاسيما مشاهد مغادرة ووصول "المحمل (كسوة الكعبة)"، أثناء رحلة الحج من مصر، وكانت السيدات حاضرات في الحشد المستقبل للمسافرين العائدين كما نرى في لوحة "لودفيغ دوتش" بعنوان "سير المحمل في القاهرة" 1909، ولوحة "كارل هاغ" بعنوان "حجاج مكة يعودون إلى القاهرة" عام 1894.
وقلما نشاهد في أعمال الكتاب والفنانين نساء يدخلن مساجد أو يجلسن فيها، وربما كان سبب ذلك تحفظا أبداه الفنانون حيال ذلك كما يقول الرحال والفنان "يوجين فرومنتان"، نقلا عن دراسة لين ثورنتون بعنوان "نساء صورتها لوحات المستشرقين":
"يجب التعامل مع هؤلاء الناس من المسافة التي يفضلون إظهار أنفسهم فيها، الرجال من مسافة قريبة، والنساء من بعيد، لايجب دخول غرف النوم والمساجد أبدا. وأرى أن وصف مخدع امرأة أو احتفالات دينية عربية يعتبر إهانة أسوأ من الاحتيال، وقد يصل الأمر إلى إبداء وجهة نظر خاطئة بذريعة الفن".
ارتبط الخيال الأوروبي بالاستغراق في وصف ملذات الشرق، واعتاد الفنانون رسم الراقصات والمحظيات عاريات، أو يرتدين القليل من الثياب، مستلقيات أو مضطجعات، وبأوضاع منتقاة بعناية بهدف إثارة الغرائز.
ويعود هذا التقليد الفني في رسم النساء العاريات إلى فنون عصر النهضة في البندقية، وهو أسلوب اعتمده الفنان تيتيان، على سبيل المثال، في أربعينيات القرن ال16 في مجموعة لوحات بعنوان "فينوس" تبدو فيها الإلهة مستلقية على ذراعها اليسرى بجسد مكشوف للناظرين.
كما ظهرت "الغازيّة (أي الراقصة، والجمع غوازي)" بوضوح شديد في أعمال الرحّالة والفنانين، وهن راقصات شعبيات مصريات احترفن المهنة في الاحتفالات الشعبية، وهي تختلف عن "العالمة (والجمع عوالم)" وهن مغنيات شعبيات، لكن اللفظة التصقت بالراقصات منذ أربعينيات القرن ال19 دون تمييز.
كتب شامبليون رسالة بتاريخ 14 سبتمبر/أيلول 1828، ضمن رسائل "رحلة مصر" قائلا :
"اقتربنا في التاسعة والنصف من قرية (نادر) حيث جلست بعض النسوة بمحاذاة الشاطيء لبيع الفواكه والتمر والرمان في قُفف... وسرعان ما هرولت النساء والأطفال صوبنا عارضين علينا الأطعمة والمأكولات. ومن بين حشد المتفرجين كان هناك ثلاثة مهرجين تتبعهما راقصتان أو اثنتان من العوالم استضفناهم جميعا على المركب".
ويضيف شامبليون : "كانت إحداهما فاتنة الوجه رشيقة القوام تمسك بصنج من النحاس بين أصابع يدها. ثم أخذتا تشدوان لمدة نصف ساعة بأشعار عربية على هيئة حوار بين عاشق ومحبوبته. وقد أعجبنا جميعا بتلك الأغاني الشعبية، وأخذ أحمد الرشيدي - مساعد قبطان المركب - بجمع القروش يبللها بلعابه ويلصقها على خدي الراقصتين مع قبلة حارة طويلة. وكان هذا المشهد يبعث البهجة في قلوب المسلمين والأوروبيين."