Thursday, June 27, 2019

أعلام أثارت الجدل في شمال أفريقيا

خرج المئات من الجزائريين في الـ 25 من يونيو/حزيران الحالي، في مظاهرات، رافعين العلم الأمازيغي تحت شعار "الدفاع عن الراية الأمازيغية"، وقد أدى ذلك إلى احتجاز العشرات في مراكز الشرطة. إلا أن أزمة العلم لا تقتصر على الجزائر فقط، فقد ظهر جدل مماثل في وقت سابق بكل من المغرب وموريتانيا.
يقول ناشطون أمازيغ إن العلم الأمازيغي ليس شيئاً عابراً في غمار الأحداث الساخنة التي تجري في الجزائر في الوقت الراهن، بل له علاقة بتحديد الهوية كما أنه يحمل دلالات ثقافية ويمثل قومية شعب معين، فلا ضرر من رفعه من قبلهم في المظاهرات.
إلا أن هذه المسألة أثارت الجدل بين الجزائريين بين مؤيد ومناهض لفكرة رفع العلم الأمازيغي في هذا الوقت تحديداً.
وقد حذّر رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق، أحمد قايد صالح، من رفع أي علم غير علم الدولة الرسمي خلال احتجاجاتهم، لكن المتظاهرين تحدوه ورفعوا العلم الأمازيغي خلال احتجاجاتهم في 25 يونيو/حزيران في حي القصبة القديم بالعاصمة الجزائرية، وأدى ذلك إلى اعتقال الأمن لعشرات المتظاهرين.
وتباينت ردود فعل الجزائريين على قضية العلم في مواقع التواصل الاجتماعي، فمنهم من رأى أن الانشغال بالعلم الأمازيغي الآن يلهي الجزائريين عن المطالب الأساسيىة في البلاد ويركز على قضايا ليست ملحة، لكن آخرين رأوا ضرورة وحدة العرب والأمازيغ تحت الراية الوطنية.
يرى بعض المغاربة أن متظاهري الحراك الشعبي بالريف وأنصارهم من الحركة الأمازيغية في المنطقة، رفعوا العلم الأمازيغي لإيصال رسالة مفادها أن الأمازيغ في الريف يطالبون في الحقيقة بالانفصال عن المغرب ويدعون إلى تأسيس "جمهورية الريف".
وكان محمد عبد الكريم الخطابي قد أسس جمهورية الريف عام 1921 في شمال المغرب ووضع لها علماً مختلفا عن العلم السلطاني خلال فترة الاستعمار الفرنسي والإسباني، إلا أن الجمهورية لم تعمر أكثر من خمس سنوات.
وكانت الحسيمة والناظور من أبرز المدن التي ضمتها تلك الجمهورية وتعرف حالياً بالريف المغربي.
وبدأت أحداث حراك الريف في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2016، عندما قُتل بائع سمك يدعى، محسن فكري، "طحناً" في شاحنة لجمع النفايات بميناء الحسيمة، بعدما صادرت السلطات صناديق السمك التي كان يبيعها ورمت به في الشاحنة.
اندلعت بعد ذلك احتجاجات في أرجاء المدينة، وهدأت الاحتجاجات بعد أن تلقوا وعوداً من الحكومة بمعاقبة المتهمين، لكن صدمتهم كانت أكبر عندما أصدرت المحكمة عقوبات "خفيفة" بحق المدانين.
فكانت العقوبة هي عبارة عن السجن مدة 5 و 8 أشهر ودفع غرامة مالية بسيطة، الأمر الذي أدى إلى تجدد المظاهرات في جميع أرجاء المدينة وقراها، وسرعان ما أصبحت تلك الاحتجاجات أكثر تنظيماً ورسمت مطالبهم بشكل منظم، وترأسها الناشط المغربي ناصر الزفزافي وأصبح الناطق باسمها قبل أن يصدر بحقه حكم بالسجن عشرين عاما.
وكان كثيرون يأخذون على المتظاهرين في الريف عدم رفعهم للعلم المغربي الرسمي، ورفعهم لعلم "جمهورية الريف" والأمازيغ، إلا أن أنصار الحراك يقولون إن منطقة الريف"تعرضت للتهميش والعزلة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بطريقة غير عادلة منذ عقود من الزمن".
اعتُمد العلم الموريتاني عام 1958، ويضم خلفية خضراء كرمز للإسلام يتوسطه هلال ونجم ذهبي كرمز للصحراء.
إلا أنه وبعد مرور نصف قرن، وفي عام 2017، قرر الرئيس السابق، محمد ولد عبد العزيز، تعديل العلم بإضافة شريطين أحمرين في أسفل وأعلى العلم مبرراً ذلك بأنه "تخليداً للشهداء الذين ماتوا والذين سيحاربون دفاعا عن بلادهم في المستقبل".
وقال ولد عبد العزيز وقتها "إن إضافة خطين أحمرين للعلم تشكل تحسينا يمكِّن المواطن مستقبلا من معرفة مصدر علمه الوطني، ودلالة رموزه".
في عام 2012، زارت الباحثة سو ناتالي، سيبيريا للمرة الأولى. وكان الهدف من الزيارة دراسة تأثيرات ذوبان ما يُعرف بالتربة الصقيعية، بسبب التغير المناخي.
وبالرغم من أن ناتالي اطلعت قبل الزيارة على صور للموقع عدة مرات، فإنها تفاجأت لدى رؤيتها له على الطبيعة، نظرا للتأثيرات الهائلة التي أحدثها الذوبان المتسارع للجليد في البقعة التي زارتها، إلى حد تسبب في حدوث هبوط هائل في التربة، في أكثر من مكان.
وفي لقائي مع ناتالي، الباحثة حاليا في مركزٍ بولاية ماساتشوستس الأمريكية، قالت لي إن "الأمر لا يصدق حقا، ولا أزال أشعر بالقشعريرة كلما تذكرته. لم أستطع تصديق حجم ما حدث؛ منحدرات منهارة بحجم مبان متعددة الطوابق. خلال السير هناك، تجد جذوعاً ناتئة عن التربة، لكنها ليست جذوعا على الإطلاق؛ بل هي عظام حيوان الماموث، أو غير ذلك من الكائنات التي عاشت في عصر البليستوسين".
ما وصفته هذه الباحثة لي يمثل التأثيرات المرئية والدراماتيكية لظاهرة الارتفاع السريع في درجات الحرارة في منطقة القطب الشمالي. فالتربة الصقيعية - وهي عبارة عن الأراضي المتجمدة على نحو دائم، حتى الآن على الأقل - تذوب وتكشف عن أسرارها الخفية. وبجانب بقايا عصر البليستوسين؛ هناك كميات هائلة من انبعاثات الكربون والميثان، وكميات الزئبق السام، بل والأمراض التي ظهرت في حقب سحيقة، وظلت مُختزنة في هذه التربة.
وتشير إلى أن نسبة تتراوح ما بين 30 في المئة إلى 70 في المئة من هذا النوع من التربة قد يتآكل بحلول عام 2100، وذلك بناء على مدى فاعلية الإجراءات التي نتخذها لمواجهة التغير المناخي. فإذا ظل الحال على ما هو عليه على صعيد استخدام الوقود الأحفوري، سنخسر 70 في المئة من تلك التربة، أما إذا قلصنا انبعاثات هذا الوقود بشكل كبير، فستصبح النسبة المُهددة 30 في المئة فقط.
وتقول ناتالي إن المساحة التي ستذوب - أيا كانت نسبتها - تحتوي على كربون حبيس داخل مواد عضوية، سيبدأ في التفتت والانطلاق بفعل ميكروبات ستستخدمه كمصدر للطاقة وتطلقه في صورة ثاني أكسيد الكربون أو الميثان.
وتفيد تقديرات بأن حجم عُشر الكربون المجمد، الذي قد ينبعث في صورة ثاني أكسيد الكربون، قد يتراوح ما بين 130 إلى 150 مليار طن، وهو ما يساوي المعدل الإجمالي السنوي للانبعاثات الكربونية من الولايات المتحدة، اعتبارا من الآن وحتى عام 2100. ويعني ذلك أن ذوبان التربة الصقيعية سيضيف عمليا، ما سيكون بمثابة "دولة جديدة" تحتل المركز الثاني على قائمة الدول الأكثر تسببا في الانبعاثات الكربونية، دون أن يكون بمقدورنا محاسبتها على ما تُحدثه من تلوث.
ورغم أن وسائل الإعلام اهتمت بانخفاض درجة الحرارة بشكل غير معتاد في مناطق بجنوب أمريكا الشمالية في شتاء 2018/2019، فإن ذلك صرف الانتباه عن أن العكس تماما كان يحدث في أقصى شمال الكرة الأرضية، في ما وراء الدائرة القطبية الشمالية. فقد شهد يناير/كانون الثاني الماضي، وصول متوسط مساحة الجليد البحري في المنطقة القطبية الشمالية إلى 13.56 مليون كيلومتر مربع (5.24 مليون ميل مربع) وهو ما يقل بواقع نحو 860 ألف كيلومتر مربع (332 ألف ميل مربع) مما يُعرف بالمتوسط طويل الأمد لمساحة تلك البقعة، والذي ساد بين عامي 1981 و2001.
وعلاوة على ذلك، بلغت درجة الحرارة في مناطق في الدائرة القطبية الجنوبية 1.2 درجة مئوية خلال نوفمبر/تشرين الثاني، بينما يُفترض أن تكون الحرارة 25 درجة تحت الصفر في مثل هذا الوقت من العام. وترتفع درجة الحرارة في القطب الشمالي بوتيرة تزيد في سرعتها عن ضعف الوتيرة المعتادة في باقي العالم.
وتقول إميلي أوزبورن، المسؤولة في ما يُعرف بـ "برنامج أبحاث القطب الشمالي"، إن العالم يشهد زيادة كبير في "حجم ذوبان التربة الصقيعية"، وذلك كنتيجة مباشرة لارتفاع درجة حرارة الهواء. وتضيف أن ذلك يقود بدوره إلى "تفتت وانهيار التضاريس الطبيعية" في هذه المنطقة، قائلة إن "الأمور تتغير هناك بسرعة بالغة، وبطرق لم يكن يتوقعها الباحثون قط".
وتتولى أوزبورن مسؤولية إعداد تقرير سنوي عن أوضاع البيئة في القطب الشمالي. وفي عام 2017، صدر التقرير بعنوان "لا مؤشرات على أن القطب الشمالي سيصبح من جديد منطقة متجمدة بشكل موثوق فيه".
وتناولت ورقة بحثية شاركت في إعدادها هانا كريستيانسين، باحثة بإحدى الجامعات النرويجية، درجة حرارة التربة الصقيعية على عمق 20 مترا، أي بعيدا بما يكفي عن التأثر بالتغيرات الموسمية قصيرة المدى. وكشفت الدراسة عن أن درجات الحرارة زادت عند هذا العمق بواقع 0.7 درجة مئوية منذ عام 2000.
وقالت كريستيانسين إن "درجات الحرارة تزيد بداخل التربة الصقيعية بسرعة عالية نسبيا. وهو ما يؤدي بالطبع إلى إمكانية أن يُطلق العنان لما كان مُجمدا فيها - كما يُفترض - على نحو دائم".
وأشارت كريستيانسين إلى أن درجة الحرارة في أرخبيل سفالبارد النرويجي ظلت - مثلا - أعلى من الصفر المئوي طيلة أيام شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2016، وذلك للمرة الأولى منذ بدء تسجيل درجات الحرارة هناك عام 1898.
وأضافت أن أمطارا غزيرة هطلت بعد ذلك بدلا من التساقط المعتاد للثلوج، مما أدى لحدوث انهيارات طينية، وأجبر السلطات على إجلاء السكان من بعض المناطق.
وتثير الوتيرة المتسارعة للتغيرات التي تشهدها التربة الصقيعية في أمريكا الشمالية قلقا مماثلا لذاك الذي تُحدثه مثيلاتها الحالية في القطب الشمالي. فبحسب سو ناتالي - التي انتقل عملها البحثي من سيبيريا إلى ألاسكا - يمكن للمرء "في المناطق القطبية بولاية ألاسكا، أن يطير فوق أراضٍ أشبه بالجبن السويسري بسبب الحفر القائمة فيها والناجمة عن وجود مناطق من اليابسة والبحيرات، تشكلت بفعل الانهيارات الأرضية".
وتشير إلى أن "المياه التي كانت قريبة من سطح الأرض أصبحت بركاً الآن". وتشهد الكثير من هذه البرك فورانا بفعل وجود الميثان، وذلك بعدما وجدت الميكروبات فجأة نفسها أمام وليمة شهية من المواد العضوية التي كانت مُختزنة بداخل الجليد منذ أمد بعيد. ويؤدي تغذي الميكروبات على تلك المواد إلى إطلاق غاز الميثان كمنتج ثانوي.
وأشارت ناتالي إلى أنه كان بوسعها في كثير من الأحيان السير عبر البحيرات نظرا لضحالة عمقها، قائلة إن المرء يجد نفسه وكأنه "في حوض استحمام ساخن في بعض المناطق، إذ أن هناك الكثير من الفقاعات" الناجمة عن وجود الميثان.

No comments:

Post a Comment